تحكي لنا كتب التراث عن ذلك الرجل الساذج الذي استوقف مجموعة من الأطفال كانوا يلعبون في أحد الشوارع قائلاً لهم: إنّ في بيت أبي فلانٍ وليمةَ عشاءٍ. فما كان منهم إلا أن انطلقوا إلى بيت ذاك الكريم لا يلوون على شيء! كيف لا وقد أخذوا من ذلك الرجل معلومة موثّقة لا مجال للقدح فيها.
فلمّا أن رأى ذلك الرجل الساذج صنيعهم إذا هو يصدّق كذبته وينطلق وراءهم لعلّ عشاء في بيت أبي فلانٍ يكونُ!
هذه القصّة التي يتنكرّ لها كلّ من سمع بها قد تكون مرّت على طائفة كبيرة من الناس دون أن يدروا!
كثيرٌ من الناس لديهم طاقات فكرية وعقلية وجسمية ونفسية كامنةٌ فيهم، ولكنهم لم يكتشفوها إلى الآن، وهذا يردنا إلى المقولة الفلسفية التي تصوّر هذا الموقف:
عدمُ الوجدان للشيء لا يستلزم عدم وجوده على أرض الواقع.
فمثلاً: هناك قوانين الطبيعة التي تعمل عملها بجهد والتزام دائبين، فسواءٌ عليك أكتشفتها أم لم تكتشفها هي عاملة وموجودة.
ولكن ما الذي يحدث لو اكتشفت واحدًا من هذه القوانين؟
بالطبع سيمكّنك هذا الاكتشاف من التعامل معه بشكل جيّد والتعرف على طريقة عمله واستغلاله استغلالاً يعود عليك بالنفع.
قل مثل ذلك في أعظم قوّة في العالم كلّه. قوّة العقل التي في رأسك. هذه القوّة تعمل عملها سواءٌ عليك أعرفت أم كنت من الجاهلين، وبما أننا كشفنا لك هذا السرّ فيمكنك أن تنتقش من هذا الأمر أنّ هذا العقل ثمين جدًا ولديه قوّة خارقة جدًا. كيف لا وهو أعظم قوّة على الإطلاق.
المؤسف حقًا أنّ كثيرًا من الناس لم يستغلوا العقل أو استغلوه ولكن ليست بطريقة سليمة مما عاد عليهم وعلى العالم بالحروب والدمار والخراب.
والمؤسف أيضًا أن لا يستغلّ الفرد منّا عقله بأي طريقة، فهو يعدّه عبئًا عليه، لا به يفكر ولا للمجتمع من أعمال جليلة يقدّم. فتراه متبلّدًا كسولاً متواكلاً. فهو والعدم سواء.
إنّ الله عزّ وجلّ حينما تعلّقت إرادته بإيجاد خليفة في الأرض، ألا وهو الإنسان، اقتضت إرادته أيضًا تزويده بسلاح به يمخر عباب المجهول ويأخذ في اكتشافها.
العقل. تلك الطاقة العجيبة التي يغفل عنها كثيرٌ من الناس، فإذا هم تعبون في حياتهم، يعيشون برتابة قاتلة. ليس لديهم من أهداف ولا خططٌ مستقبلية. إنهم بذلك يكبّلون عقولهم ويضعونه في مربّع وهمي. أجل يقيدونه بحبال من الأوهام ويلقون به في غيابات جبّ النسيان. نسوه فنسوا أنفسهم، فعاشوا كعيشة البهائم –أجلّكم الله- كلّ همهم إشباع غرائزهم وإملاء حاجاتهم الجسدية، وحسبُ.
أمّا أن يخططوا، أما أن يفكروا بطريقة سليمة، أمّا أن يجتهدوا في طلب العلم، أمّا أن يمشوا في مناكب الأرض التي سخّرها الله لهم وذللها. فكل أولئك هم في غطاء عنها.
إلى متى هذا التخلف عن الركب؟! إلى متى هذا الاستغناء عن هذا العقل؟!
ألم يعلموا أنّ الله سيحاسبهم على تعطيلهم هذه القوّة؟!
ألم يأزف الوقت بعد لتشغيل الفكر وإعماله والخروج من الدنيا بنتيجة تحسب لهم؟
والعجيب أيضًا أنّ مثل هؤلاء الناس أغلبهم متشاؤمون، يرون الحياة لونًا واحدًا هو الأسود ليس غيرُ. يعتقدون أن الناس جميعًا إنما يفكر بتفكيرهم السطحي الساذج.
قلت لكم إنه المربع الوهمي. أجل هو المشكلة.
إنّ حلّ هذه المشكلة يكمن في تدبّر قوله تعالى: "إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم".
وإن تدبرتَ أخي المفضال هذه الآية الكريمة جيدًا سيصبح للحياة إذ ذاك معنى مغايرٌ وجميلٌ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق