ما مِنْ أحدٍ في هاته البسيطة بَدءًا منْ لدُنْ آدمَ عليه السلامُ حتّى نصِل إلى آخرِ سِرْبٍ تزهَقُ فيها، إلاّ وتنغّصُه همومُه، أو تأسرُه مصائبُه، أو يثبّطُه خورُ قوّتِه، وقلّةُ حيلتِه، أو تقيّدُه أوهامُه، لِيصيرَ الواقعُ صَعْبًا، ويصبحَ المستقبلُ مخيفًا مفزِعًا.
هذِهِ هي الحالةُ الطبيعيّةُ التّي اعتادت عليها طائفةٌ كبيرةٌ من النّاسِ، وخاصّة من ذاقَ مُرَّ الأسَى بوفاةِ عزيزٍ، أو فقدانِ حبيبٍ، أو نزولِ نازلةٍ، أو خسارةِ مالٍ، أو خيانةِ صديقٍ، أو مداهمةِ مرضٍ مفاجئٍ؛ فنجدُ تفكيرَهم ينْصَبُّ حَوْلَ هاتيك البقائع، مُتَردّدين بينَ تُرَّهاتِ اليأسِ ودهاليز التّلفِ المحيطِ بهم.
ومَنْ كانَ هذا وضْعه فينبغي له أن يُسَلِّمَ أمرَه كلَّه للهِ عزَّ وجَلّ، وأن يحتسبَ همومَه وآلامَه في ميزانِ حسناتِه يومَ القيامةِ. هذه أوّلُ رَتوةٍ نتّفق عليها،أنا وأنت، الرّضا بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، فينبغي للمسلم أنْ يحمَدَ اللهَ تعالَى سَواءٌ أنهلَّ عليه خيرٌ أم حاقت به مصيبة. وقد ذَكَرَ الرسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ بعضًا من صفاتِ المؤمنِ الثّاوي على الإيمانِ عندما قال: "عجبًا لأمرِ المؤمن. إنّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ. إنْ أصابتْه سَرّاءُ شَكَرَ. فكان خيرًا له. وإن أصابته ضَرّاءُ صَبَرَ. فكان خيرًا له". إذ إنّ الشكرَ يُديمُ استمرار النِّعَمِ التي يُسبِغُها اللهُ جَلّ في عُلاه على عبدِه. وإنّ الحَمْدَ في مواطنِ الرزايا والآلامِ وقولَ: إنّا لله وإنا إليه راجعون لَيخفّفُ مِنْ حدّةِ المصيبةِ ووقْعِ الطامّة حين تتغشاه، لِيربطَ الله تعالى على قلبِه ويصبّرَه في مصابِه، ويهديَه إلى سبيل الرشاد.
إنّ الحياةَ تَمْضي نحوَ الأمامِ، وكذلك العمر فإنه ينقضي ووجهُه تلقاءَ القادم، والقافلةُ كدأبِها تسيرُ باستقامة، وأمّا الماضي فقد زالَ واندثرَ، ودَرسَت آثارُه، والمستقبلُ لا نعلمُ شيئًا عنه، والحاضرُ هو الذي بقي لنا مِلكًا وحياةً، ولكنّ الغريبَ في الأمر أن نَدَعَ حبّاتِ الحياةِ تسّاقطُ من بين أيدينا ونلتفتَ صَوْبَ ماضينا أو نيمّم ناحيةَ المستقبلِ الذي لم يَجِئْ بَعْدُ، ونَظَلّ سادرين في غَمْرَةِ يأسِنا وقلقِنا، فنترك القافلة تسير وتتعدّانا بمنازل، ونرضى بأن نقبَعَ في أماكننا ومطارحنا متقوقعين حولَ ذواتنا، ونبقى نندبُ حظَّنا العاثرَ الذي شكّلناه بأفكارنا فأصبح جزْءًا منّا ولا ينفكّ عنّا.
يجب أن نُقاومَ التعبَ والنصبَ وأن ننتصرَ على ضعفنا وتخاذلنا وأن نمسكَ بتلابيبِ الحياة وفرصِ النجاح، وأن نستشرفَ مستقبلاً يضيء حياتنا.
ومن يعلمُ؟! ففي كلّ مِحْنَةٍ مِنْحَةٌ، فلرُبمّا إن ضاق الأمر انفرج واتّسع، كما الحبلِ إن شُدّ انقطع، والأضداد أندادٌ، فَتَعَلَّمْ أنَه إنْ ألفيْتَ الأمرَ تشتدّ حلكتُه ويطول ليلاؤه، فإنّ تلك اللحظة ستكون معها الفرج والمنحة من الله العليّ القدير.
وأمرٌ آخرُ علينا التصديق به وهو أنّ اللهَ تعالى ما ابتلى عبدًا من عبادِه إلا لأنه يحبّه، فتأتي الآلام ممحّصة للذنوب المتكدّسة على صفحات قلبه، وتكون له مقوّية من عزيمته لِيغدوَ بعدَ ذلك أمتنَ من ذي قبل، وَلْنتذكرْ قول الرسول الكريم: "ما يصيب المسلم، من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمّ، حتّى الشوكة يشاكها، إلا كفّرَ الله بها من خطاياه".
ولِولَعي بالأدبِ عامّةً والشعرِ سامّةً، فإنّي أجدني لا أجنحُ لإنشاد القصائد إلا ما كانت صادقةَ الشعور، سامكةَ الإحساس، سامقةَ اللوعة والحسرةِ، والتي عاش صاحبُها فِعلاً وعانى وعاين مصيبةً حاقت به أو صاخّة نزلت به فراح يترجِمُ ذلك شعرًا يطول الكلام عليه. وحين أستعرض نماذجَ من الشعر أتذكّر دون عناء الكثيرَ من القصائد الفارهةِ العذوبة من مثل قصيدةِ "وصفُ الحُمّى" للمتنبي، ، وقصيدةِ أبي ذؤيبٍ الهذليّ في رثاء أبنائه، وطائفة كبيرة من شعر المعرّي في معرض فلسفته عن الوجود وأدبه الساخر منه، وأبيات مالك بن الريب في رثاءِ نفسه. كلّ هاتيك القصائدِ لم ينظمْها أصحابُها وهم في رغدِ من العيش وتقلّب بين النعم، نَعَمْ، لم يكتبوها و هم متكئون على النمارقِ الليّنة أمامَهم المناظر الخلاّبة التي تبعث على انشراح الصدر وسرور النفس. بل كتبوها بمآقيهم ودموعهم المخضلّة وزفراتهم المحرقة المستعرة، وبقرائحِهم المتّقدةِ، فخلّدَ التاريخ ذكرَها، وحفظ صيتَها، وتبنّى بقاءها وتعهّدها بالصيانة والحماية.
أجل، تذكّرْ أنَّ المصيبةَ هي مَحْفَزَةٌ لك في التغلّب عليها والتّصدّي لها والوقوف بوجهها وتجاوز عقباتِها، والمجاهدةِ على ذلك، والمثابرةِ على رؤية الوجهِ الآخرِ منها، الوجهِ الإيجابيّ الذي يَكْمُنُ في أنّ اللهّ تعالى لمْ يرِدْ لك حينما ابتلاك إلا الخيرَ، و رُبَّ ضارّةٍ نافعةٌ "وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا".
في ختام قولي أودّ أن أذكرك-عَصَمَنَا اللهُ وإيّاكَ مِنَ الحَيْرَة- بألا تركنَ إلى وهنِك وألا ترضى بخورِ قوّتِك وعزيمتِك، بل عليك أن تجاهدَ وتناضلَ حتّى تحيا حياةً طيبة "والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلَنا" و "من يتوكّلْ على الله فهو حسْبُه".

كلام جميل اخي العزيز
ردحذفولكن من لا يحس بالألم لا يعرف معنى الراحة
اللهم فرج كرب كل من يعيش في ضيق
أهلا بك أخ أسامة،،،،
ردحذف